الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

54

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الله وطاعة أوامره ( 1 ) ، فيوجه الخطاب لكل البشر ، فيقول : ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض . إن لتسخير الموجودات السماوية والأرضية للإنسان معنى واسعا يشمل الأمور التي في قبضته واختياره ، ويستخدمها برغبته وإرادته في طريق تحصيل منافعه ككثير من الموجودات الأرضية ، كما تشمل الأمور التي ليست تحت تصرفه واختياره ، لكنها تخدم الإنسان بأمر الله جل وعلا كالشمس والقمر . وبناء على هذا فإن كل الموجودات مسخرة بإذن الله لنفع البشر ، سواء كانت مسخرة بأمر الإنسان أم لا ، وعلى هذا فإن اللام في ( لكم ) لام المنفعة ( 2 ) . ثم تضيف الآية : وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة . " أسبغ " من مادة ( سبغ ) وهي في الأصل بمعنى الثوب أو الدرع العريض الكامل ، ثم اطلق على النعم الكثيرة الوفيرة أيضا . هناك اختلاف بين المفسرين في المراد من النعم الظاهرة والباطنة في هذه الآية . . فالبعض إعتقد أن النعمة الظاهرة هي الشئ الذي لا يمكن لأي أحد إنكاره كالخلق والحياة وأنواع الأرزاق ، والنعم الباطنة إشارة إلى الأمور التي لا يمكن إدراكها من دون دقة ومطالعة ككثير من القوى الروحية والغرائز المهمة . والبعض عد الأعضاء الظاهرة هي النعم الظاهرة ، والقلب هو النعمة الباطنة . والبعض الآخر اعتبر حسن الصورة والوجه والقامة المستقيمة وسلامة الأعضاء النعمة الظاهرة ، ومعرفة الله هي النعمة الباطنة .

--> 1 - إعتقد بعض المفسرين كالآلوسي في روح المعاني ، والفخر الرازي في التفسير الكبير ، بأن هذه الآيات مرتبطة بالآيات التي سبقت مواعظ لقمان ، حيث تخاطب المشركين : هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه وتقول في الآيات مورد البحث : ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض . إلا أن آخر هذه الآية والآيات التي بعدها ، والروايات الواردة في تفسيرها تتناسب مع عمومية الآية . 2 - كانت لنا بحوث أخرى حول تسخير الموجودات للإنسان في ذيل الآية ( 2 ) من سورة الرعد .